صديق الحسيني القنوجي البخاري

94

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوه حق معرفته ، وقال المبرد أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره ، من قولك ، فلان عظيم القدر . وإنما وصفهم بهذا لأنهم عبدوا غير اللّه ، وأمروا رسوله بأن يكون مثلهم في الشرك ، وقرىء قدروا بالتشديد . وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك فأخبر سبحانه عن عظيم قدرته بأن الأرض كلها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره ، كالشئ الذي يقبض عليه القابض بكفه كما يقولون هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه ، وإن لم يقبض عليه . والمراد بالأرض الأرضون السبع ، يشهد لذلك قوله : جَمِيعاً وقوله الآتي وَالسَّماواتُ لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ، ولأن الموضع موضع تعظيم ، فهو مقتض للمبالغة ، والمعنى الأرضون جميعا ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة ، وقدم الأرض على السماوات لمباشرتهم بها ومعرفتهم بحقيقتها . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : « جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا محمد إنا نجد أن اللّه يحمل السماوات يوم القيامة على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ » « 1 » وإنما خص يوم القيامة بالذكر - وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا أيضا - لأن الدعاوى تنقطع في ذلك اليوم ، كما قال وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] وقال مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] ولذلك قال في الحديث « ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ » « 2 » . وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه ، والطي ضد النشر واليمين في كلام العرب قد يكون بمعنى القدرة والملك . قال الأخفش بيمينه يقول في قدرته نحو قوله : أَوْ ما

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 19 ، 26 ، 36 ، وتفسير سورة 39 ، باب 1 ، ومسلم في المنافقين حديث 19 ، 21 ، والترمذي في تفسير سورة 39 ، باب 3 . ( 2 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في تفسير سورة 39 ، باب 2 ، والرقاق باب 44 ، والتوحيد باب 6 ، 19 ، 26 ، 32 ، 36 ، ومسلم في المسافرين حديث 69 ، والمنافقين حديث 19 ، 21 ، 23 ، 24 ، 25 ، وأبو داود في السنة باب 19 ، والترمذي في الصلاة باب 211 ، وتفسير سورة 39 ، باب 3 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، والزهد باب 33 ، والدارمي في الرقاق باب 80 ، وأحمد في المسند 1 / 429 ، 457 ، 2 / 72 ، 88 ، 282 ، 374 ، 419 ، 3 / 495 .